النكاح: سنّة المرسلين وبنيان المجتمع المتين
فإن الزواج في الإسلام ليس مجرد عقد مدني أو تلبية لغريزة بشرية، بل هو فطرة إنسانية وشعيرة دينية عظيمة، وسنة ربانية شملت الأنبياء والمرسلين. وقد لخّص شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مقاصد هذه الشعيرة بكلمات جامعة قال فيها: «النكاح من سنن المرسلين، ومن رغب عنه فليس منهم، وفيه من المصالح ما لا يحصيه إلا الله، وهو أصل بقاء النوع الإنساني، وفيه إعفاف النفس وغضّ البصر».
أولًا: اقتفاء أثر الأنبياء والمرسلين والتمسك بسنتهم
إن الزواج في الإسلام ليس مجرد تدبير اجتماعي أو تلبية لشهوة عابرة، بل هو شريعة ربانية محكمة، وهو من هدي الأنبياء والمرسلون الذين هم صفوة الخلق وقادة البشرية؛ قال الله تعالى في محكم التنزيل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38].
وفي طليعة هؤلاء المرسلين نبينا محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد ولد أدم على السلام وخير خلق الله والمبعوث رحمة للعالمين الصادق الأمين، الذي جعل النكاح علامة على لزوم سنته وهديه على الصلاة والسلام. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله النبي ﷺ وأثنى عليه، ثم قال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) [متفق عليه: رواه البخاري (5063)، ومسلم (1401)].
التوجيه الفقهي والدعوي للحديث:
المراد بـ "السنة" في قوله ﷺ: (فمن رغب عن سنتي) ليس المصطلح الأصولي الذي يعني المستحب والمندوب فقط، بل تعني هنا: طريقته وشريعته ومنهجه في الحياة. وقوله (فليس مني) هو وعيد شديد لا يعني الخروج من الملة، بل يعني: ليس على هديي وطريقتي، ومَن ترك طريقته وصار إلى طريقة غيره فليس منه (من تشبه بقوم فهو منهم).بناءً على ذلك، فإن الإعراض عن الزواج زهدًا فيه، أو ترفعًا عنه بدعوى التفرغ المطلق للعبادة والرهبانية، أو بدافع الخوف من المسؤولية والاتكال، هو خروج صريح عن الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها، ومخالفة للمنهج النبوي المتوازن الذي يجمع بين طاعة الله وعمارة الأرض وتلبية حقوق الجسد والنفس بالحق والمشروع.
ثانيًا: إعفاف النفس وتحصين المجتمع
يعد النكاح خط الدفاع الأول لحماية الأخلاق؛ فهو الوسيلة الشرعية لإشباع الغريزة الإنسانية في إطار من الطهر والعفاف. بالزواج يغض المؤمن والمؤمنة البصر، وتحصن الفروج، ويسد الطريق أمام الفواحش، مما يورث القلب طمأنينة وراحة.
ثالثًا: استمرار النسل وعمارة الأرض
جعل الله تعالى النكاح سببًا لبقاء الجنس البشري وتكاثره بشكل منظم يحفظ الأنساب من الاختلاط. وعبر هذا التناسل الشرعي، يُبنى المجتمع المسلم وتتحقق عمارة الأرض بالعبادة والعمل الصالح، وتتكاثر الأمة الإسلامية التي يباهي بها النبي ﷺ الأمم يوم القيامة
رابعًا: تحقيق السكن النفسي والمصالح الدنيوية
وراء النكاح مصالح لا تحصى؛ فهو يثمر المودة والرحمة بين الزوجين، ويحقق السكن النفسي والروحي. كما أنه يؤسس لروابط أسرية متينة تجمع العائلات، وتدفع الإنسان إلى السعي والعمل لكسب الرزق الحلال والإنفاق على بيته.
إن تيسير الزواج وإعانة الشباب عليه هو صمام أمان للأمة بأسرها. فحريّ بنا أن نعظم هذه السنة، ونعمل على نشرها، ونحارب العوائق التي تقف في طريقها، حمايةً لفطرتنا، وتحصينًا لشبابنا، وبناءً لمجتمع قوي متماسك.
الواقع الحالي للأمة الإسلامية والعربية اليوم في عام 2026
نجد فجوة عميقة وتناقضاً واضحاً بين المقاصد الشرعية الكبرى التي ذكرها وبين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة. لقد تحول الزواج في وجدان الكثير من الشباب من "سُنّة ميسرة ومصدر للتحصين" إلى "عبء ثقيل ومخاطرة كبرى".
إليك مقارنة تفصيلية بين رؤية ابن تيمية المستمدة من الوحي، وبين الواقع الراهن:
1. "النكاح من سنن المرسلين.. ومن رغب عنه فليس منهم"
- الرؤية الشرعية: الزواج هو الأصل الفطري، والعزوبة اختيار استثنائي غير محمود.
- الواقع الحالي: تشهد المجتمعات العربية عزوفاً وضخماً وتأخراً حاداً في سن الزواج (العنوسة الاختيارية). في أحدث الإحصائيات الرسمية، يعبر أكثر من نصف الشباب العزاب في بعض الدول العربية عن عدم رغبتهم أو قدرتهم على الزواج. وارتفع متوسط سن الزواج الأول بشكل غير مسبوق ليتجاوز 33 عاماً للرجال و26 عاماً للنساء في عدة مناطق.
2. "هو أصل بقاء النوع الإنساني"
- الرؤية الشرعية: التكاثر المنظم وبناء الأسر الممتدة لعمودية الأرض وتكثير سواد الأمة.
- الواقع الحالي: تواجه الأمة تراجعاً حاداً في معدلات الخصوبة والإنجاب. فالضغوط الحياتية دفعت الأسر الحديثة إلى الاكتفاء بطفل أو اثنين، وصرحت نسب مقلقة من النساء المتزوجات بعدم رغبتهن في إنجاب أطفال إضافيين لأسباب اقتصادية، مما يهدد الهرم الديموغرافي لبعض المجتمعات العربية على المدى الطويل.
3. "وفيه إعفاف النفس وغض البصر"
- الرؤية الشرعية: الزواج هو الحصن الذي يغلق أبواب الفتنة ويحمي طهر المجتمع.
- الواقع الحالي: مع تأخر سن الزواج، يواجه الشباب طوفاناً من المغريات الرقمية والإنترنت وسائل التواصل الشديدة التي تُصعّب غض البصر. هذا التناقض (تأخير الحلال مع سهولة الوصول للمثيرات) خلق فجوة وخيمة أدت إلى زيادة الضغوط النفسية والاجتماعية على الجيل الحالي.
4. "وفيه من المصالح ما لا يحصيه إلا الله"
- الرؤية الشرعية: تأسيس السكن النفسي، والمودة، والرحمة، والاستقرار المشترك.
- الواقع الحالي: انفجار أزمة الطلاق المبكر. تشير البيانات الحكومية الحديثة (مثل إحصاءات مصر والمغرب والكويت) إلى أن عقود الزواج تتراجع سنوياً بنسب متتالية، مقابل ارتفاع مخيف في شهادات الطلاق؛ حيث يتركز خطر الانفصال في السنتين الأوليين من الزواج نتيجة غياب الوعي، والخلافات المادية، وغياب ثقافة التحمل، وتأثيرات "الفردانية المعاصرة".
جدول مقارنة ملخص:
| المحور | رؤية ابن تيمية (المقصد الشرعي) | الواقع العربي والإسلامي المعاصر |
|---|---|---|
| النظرة للزواج | سُنّة نبوية، تيسير، فطرة، ترفع عن العزوبة. | تعقيد، شروط مادية تعجيزية، خوف من المسؤولية. |
| الاستقرار والخصوبة | تكاثر، عمارة الأرض، أسر ممتدة ومستقرة. | تراجع الإنجاب، تفكك أسري، تفاقم أرقام الطلاق. |
| الأمن الأخلاقي | تحصين متاح، عفة، غض البصر. | كثرة الفتن الرقمية مع صعوبة بالغة في التحصين الشرعي. |
| العلاقة الزوجية | مودة، رحمة، سكن، تعاون تصبر. | نزاعات مادية وقانونية، وتأثر بالنماذج الاستهلاكية. |
أسباب هذه الفجوة:
- الأزمات الاقتصادية: غلاء المعيشة، وتكاليف المهور والسكن المتصاعدة، وأزمة التوظيف.
- التحول الثقافي: طغيان الماديات والمظاهر في حفلات وتجهيزات الزواج على حساب الدين والخلق.
- التأثر بالغرب: تغليب "الفردانية" والحرية الشخصية على حساب التضحية من أجل بناء مؤسسة الأسرة.

تعليقات
إرسال تعليق